لا تذهب إلى الجامعة غدًا

عندما سئل أحد نجوم السينما الأمريكية ما الذي يجعله يبدو رائعًا في دور الملك، أجاب: الخدم الذين يمسكون المراوح على جانبي العرش.

نحن في الغالب، كبشر، نطمح إلى لعب دور الملك، ولولا أن كثيرين منا – حفظهم الله – يكتفون بلعب أدوار أخرى لفشل الفيلم قبل أن يبدأ، النفس البشرية تطمح للملك لكن ليس الجسم ولا العقل دائمًا بأدوات مناسبة لنيل ما تطمح إليه النفس، مع الوقت يتحول من أراد في طفولته أن يصبح مهندسًا أو طبيبًا إلى نجار أو ماسح أحذية، تخيل العالم الآن لو أن كل ما أراده الصغار تحقق، مهندسون وأطباء لا يجدون مقعدًا خشبيًا ليجلسوا عليه والأسوأ أن أحذيتهم ستكون بالية قبل أن يتخرجوا من مدرسة الطب، تخيل أن مدرسة الطب ذاتها ليس فيها سوى الأطباء وطلبة الطب. لن تكون هناك مدرسة ابتداءً. مأساة.

سألخص حكمة هذه المقالة قبل أن أفصلها لاحقًا: “اكتشف ما تستطيع إتقانه وأتقنه في الوقت المناسب قبل فوات الأوان”، ليس عليك أن تحب أو تكره مهنة أو عملًا أو مهمة لتتقنها أو تتركها، عليك قبل ذلك أن تحب الإتقان ذاته، استكشف نفسك وتعرف على قدراتك وحدودك، ولا بد لك من حدود لأنك بطبيعة الحال إنسان، إذا وصلت للنقطة التي تعرف فيها نفسك، ما تستطيع عمله، ما يمكن أن تتقنه حقًا، أدواتك، فالبقية تأتي بأيسر مما تظن، الكثيرون منا يقضون الأيام وربما السنين في الطمع غير المنطقي أن يصبحوا أشخاصًا آخرين تمامًا غير ما خلقوا عليه، وكلما تأخروا في اكتشاف هذا الذي خلقوا عليه وتهيأوا له بالفطرة، كلما كان الوصول له أصعب والتميز فيه أكثر صعوبة.

تعرف على النقاط التي يمكنك البدء منها، فليس من الضروري ولا العملي أن تعرف بدقة ما ستنجح فيه مستقبلًا، لكن الرحلة تبدأ بالخطوط العريضة ومتى بدأت السير فيها ستكتشف المزيد من التفاصيل، ربما تخطئ فتضيع وقتك في محاولة إتقان عمل ما تظن أنه العمل المناسب لك، لكن هذا الخطأ إذا ما كانت عينك على الهدف لن يعطلك كثيرًا، ستعرف بالتجربة أنك ما دمت لا تصلح لهذا المسار فقد شطبت خيارًا من لائحة الخيارات التي وضعتها، وكل ما عليك بعد ذلك هو تجربة الخيارات الأخرى.

يضيع الشاب في بلد كمصر سنوات من عمره في دراسة القانون، لا حبًا في القانون والدفاع عن أصحاب الحقوق، ولكن لأن مكتب تنسيق الجامعات قرر أن الجهد الذي بذله في الثانوية العامة يوصله إلى كلية الحقوق فحسب، ضمن آلاف غيره كل عام، وبينما يؤدي ما عليه لنيل درجة جامعية في الحقوق ينتظر يوم التخرج ليبدأ دراسة الحاسبات كي يصبح مبرمجًا ماهرًا.

عدد المسجلين في نقابة المحامين – كمثال – مقارنة بعدد من يمارسون المحاماة، مقارنة بعدد من برعوا في هذا المجال سيغنيك عن قراءة المزيد، إذا كنت تميل لفن البرمجة وترى في نفسك ما لا يراه مكتب التنسيق فليذهب مكتب التنسيق ووزارة التعليم العالي إلى الجحيم، انج بنفسك وأنقذ ما يمكنك إنقاذه من أفضل سنين عمرك.

اترك الجامعة فورًا إذا لم تقبل أن تلحقك بالمكان المناسب لك لتعلم البرمجة، وأزيدك من الشعر بيتًا، عدد لا بأس به من الناجحين في أعمالهم لم ينالوا درجات جامعية فيما برعوا فيه، بعضهم لم يكمل حتى تعليمه الأساسي (ما قبل الجامعي) ولا يعني هذا ألا تتعلم ما ستعمله، لكن من قال أن العلم الذي تريده في الجامعات وحدها؟ وما قيمة الدرجة العلمية (أو الشهادة كما يسميها العوام) إذا كنت لن تعمل بها أو حتى تنتفع بما تعلمته؟

"لم نعد بلد شهادات كما كنا نسمع في طفولتنا"

لعصور متتالية كانت الشهادة كافية لنيل درجة من الاحترام في المجتمع، يومًا ما كانت الابتدائية تكفيك، ثم صارت الثانوية العامة فالجامعة، الآن حتى الحصول على “شهادة جامعية” لم يعد كافيًا لتلبية رغبات المجتمع القديمة، فلماذا تكترث أصلًا؟ لم نعد بلد شهادات كما كنا نسمع في طفولتنا، الأطباء يعانون من الكادر أو من أجل الكادر، لا أعرف حقًا، سمعت هذه الكلمة ولم أهتم بمعرفة التفاصيل، المهم أنهم أطباء وأنهم ضحوا بالكثير كي يصبحوا كذلك، وأنهم يعانون.

أحب ما تعمل حتى تعمل ما تحب هي مقولة رغم كثرة تداولها لا تصلح إلا لفيلم آخر من أفلام السبكي الرديئة، ما معنى أن تستمر في عمل لا تحبه أصلًا، وأن تستمر فيه بينما عيناك على عمل آخر، وأنت تظن أو تعتزم أنك يومًا ما ستترك عملك وما وصلت فيه من إتقان وخبرة كي تبدأ عملًا آخر من الصفر، هذه خدعة للنفس، وما أسوأ أن تخدع نفسك، سينتهي بك الأمر إما الاستمرار في هذا الذي لا تحبه، تؤديه مرغمًا، لأن الحب لا يأتي بالتكرار، ستعتاده لكنك لن تبدع فيه، أو أنك وهذا – في ظني – ما سيحدث، ستقبل بالواقع الذي استسلمت له، ولن تعمل أبدًا ما كنت تحب أن تعمل من البداية.

دع مسألة الحب هذه جانبًا وفكر في الأمر بعقلك لا بأحلام الطفولة الجميلة، عندما يأتي اليوم الذي تبرع فيه في مجالك الذي أتقنته ستحب طعم النجاح، وستتذوق حلاوة أن يطلبك الناس بالاسم أو أن يذكر اسمك إذا ذكر عمل ما لأنك صرت علامة عليه ورائدًا من رواده.

أحب الإتقان فإن الله يحبه، إن الله يحب إذا عملت عملًا أن تتقنه، ومع أن حب الله للإتقان يتعلق في الأساس بأعمال العبادات، أن تتقن صومك وصلاتك وصدقتك وبر والديك، لكنه قد يمتد لإتقان أي عمل لكسب الرزق والله أعلم. إن كل عمل غير متقن صادفته في حياتك من فيلم رديء إلى وجبة طعام سيئة، ليس إلا نتيجة أن من قام بهذا العمل لا يتقنه، غالبًا هو واقع في دوامة عمل ما لا يحب حتى يتمكن يومًا من عمل ما يحب، فلا هو أحب عمله في المطعم ولا هو ترك المطاعم لمن يهتم بها ويتقنها وبدأ عملًا آخر يتقنه وربما يحبه.

أتخيل لو أننا سألنا عينة كافية من طلبة الكليات الرخيصة (تلك التي يرمي فيها مكتب التنسيق كسالى الثانوية العامة) عن العمل الذي يرغبون فيه بعد التخرج، لكانت النتيجة بلا شك عندي ٩٠٪ لصالح برمجة الحاسوب، هذه هي الصرعة (الموضة) منذ عرف الناس الحاسوب ومن بعده الإنترنت، ولو حصرنا العينة في طلبة الجامعات هذه الأيام تحديدًا لوجدت حلمهم أن يصنعوا تطبيقات للآيفون “تكسر الدنيا” أو ربما كانوا سطحيين بما يكفي للحلم أن يصنعوا شبكة اجتماعية كتويتر وفيسبوك، فقط لأنهم يرون ذلك رائعًا، مع أن ذلك ليس مستحيلًا، لكن ما الجديد الذي ستقدمه؟ المخيب للآمال حقًا أنهم يريدون استنساخ أعمال ناجحة فحسب، لا لأن لديهم فكرة جديدة كالتي ساعدت فيسبوك على النجاح مع أنه لم يكن أول شبكة اجتماعية، ولكن لأن دور الملك يروق لهم.

منذ شهرين تقريبًا استغرقني شرح مسألة رياضية لأحد المبرمجين أكثر من ساعتين، مع أنه لو كان يهتم بحصص الرياضيات في المدرسة الثانوية ما احتاج لأكثر من نظرة على التحليل الذي وضعته للمشكلة كي يفهم المطلوب ويحوله إلى شفرة برمجية فعالة، سألته عن شهادته الجامعية فعرفت أنه تخرج في كلية التجارة ثم علم نفسه البرمجة حتى وصل إلي ليصيبني بمقدمات ذبحة صدرية من فرط جهله بمبادئ الرياضيات.

هذا رجل قرر أن يعمل ما يحب لا ما يستطيع أن يعمل، أنفق سنوات من عمره في تعلم المحاسبة المالية حتى نال درجة جامعية فيها، ثم رماها وراء ظهره واكتفى بالورقة التي نالها من إدارة الجامعة، ثم اتخذ قرارًا خاطئًا آخر فأنفق المزيد من عمره في تعلم ما لم يخلق له أصلًا، استكمالًا لقرار الهرب من سجن الجامعة عليك أن تعرف حقًا ما الذي يلزمك لتتقن العمل الذي اخترته أو أن تريح نفسك وتريح العالم فتعمل ما تستطيع عمله وإتقانه.

إذا رأيت بعد التفكير المنطقي السليم وبحث الأمر من كل جوانبه أنك حقًا في المسار الخاطئ، وأنك تعرف من نفسك وقدراتك ما ستبرع فيه يومًا، فلا تضيع يومًا آخر بالذهاب للجامعة غدًا.

في مقال قادم إن شاء الله سأخبر والديك لماذا كان عليهما ألا يرسلوك للمدرسة من البداية، ولماذا يجب عليك أن تعلم أولادك في المنزل إن أردت لهم الخير.



بقلم سامي الطحاوي